سيد محمد طنطاوي

261

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي أطيعوا اللَّه في كل ما أمركم به ونهاكم عنه ، وأطيعوا الرسول الذي أرسله إليكم ربكم لهدايتكم وسعادتكم ، لعلكم بهذه الطاعة تكونون في رحمة من اللَّه ، فهو القائل وقوله الحق إِنَّ رَحْمَتَ اللَّه قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . وفي ذكر طاعة الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم مقترنة بطاعة اللَّه - تعالى - تنبيه إلى أن طاعة الرسول طاعة اللَّه . فقد قال - تعالى - مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّه ومَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً « 1 » . ثم أمرهم - سبحانه - بالمبادرة إلى الأعمال الصالحة التي توصلهم إلى مغفرة اللَّه ورضوانه فقال : * ( وسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ والأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ) * . قال الآلوسي : وسبب نزول هذه الآية على ما أخرجه عبد بن حميد وغيره عن عطاء بن أبي رباح : أن المسلمين قالوا : يا رسول اللَّه . بنو إسرائيل كانوا أكرم على اللَّه منا ، كانوا إذا أذنب أحدهم ذنبا أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة داره اجدع أنفك ، اجدع أذنك ، افعل كذا وكذا فسكت صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فنزلت هذه الآيات إلى قوله * ( والَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً ) * الآية فقال النبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ألا أخبركم بخير من ذلكم ثم تلاها عليهم » « 2 » . وقوله : * ( سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ) * من السرعة بمعنى المبادرة إلى الشيء بدون تأخير أو تردد . والكلام على حذف مضاف : أي سارعوا وبادروا إلى ما يوصلكم إلى ما به تظفرون بمغفرة ربكم ورحمته ورضوانه وجنته ، بأن تقوموا بأداء ما كلفكم به من واجبات ، وتنتهوا عما نهاكم عنه من محظورات . ولقد قرأ نافع وابن عامر بغير واو ، وهي قراءة أهل المدينة والشام . والباقون بالواو ، وهي قراءة أهل مكة والعراق . فمن قرأ بالواو ، جعل قوله - تعالى - * ( وسارِعُوا ) * ، معطوفا على قوله * ( وأَطِيعُوا ) * أي : أطيعوا اللَّه والرسول وسارعوا إلى مغفرة من ربكم . ومن قرأ بغير واو جعل قوله « سارعوا » مستأنفا ، إذ هو بمنزلة البيان أو بدل الاشتمال . و * ( مِنْ ) * في قوله * ( مِنْ رَبِّكُمْ ) * ابتدائية ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة للمغفرة أي مغفرة كائنة من ربكم . . ولقد عظم - سبحانه - بذلك شأن هذه المغفرة التي ينبغي طلبها بإسراع ومبادرة ، بأن جاء بها منكرة ، وبأن وصفها بأنها كائنة منه - سبحانه - هو الذي خلق الخلق بقدرته ، ورباهم برعايته .

--> ( 1 ) سورة النساء الآية 80 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 4 ص 56 .